الأحد ١١ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ

خطبة جمعة مفرغة بعنوان: *🌿«المولد النبوي بين الاتباع والابتداع»🌿* 

خطبة جمعة مفرغة بعنوان:
*🌿«المولد النبوي بين الاتباع والإبتداع»🌿* 

*لفضيلة الشيخ* 
*أبي محمد عبدالحميد بن يحيى الزُّعكري الحجوري حفظه الله تعالى ورعاه* 

  نسأل الله أن ينفع بها 
➖➖➖➖➖➖
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ۝١٠٢﴾ [سورة آل عمران]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا ۝١﴾ [سورة النساء]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًۭا ۝٧٠يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ۝٧١﴾ [سورة الأحزاب]

أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَـَٔاتٍۢ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾

عباد الله، في الثامن من شهر ربيع الأول لعام الفيل، أو "العام الثالث والخمسين قبل الهجرة،" ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، دعوة إبراهيم وبشارة عيسى. قال الله عز وجل مخبراً عن إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝١٢٩﴾ [سورة البقرة]
وقال الله عز وجل مخبراً عن عيسى عليه السلام: ﴿وَمُبَشِّرًۢا بِرَسُولٍۢ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِى ٱسْمُهُۥٓ أَحْمَدُ﴾ ختم الله به النبوة والرسالة، واصطفاه من خيرة القبائل، كما أخبر صلى الله عليه وسلم عن نفسه.

وكان مبعثه صلى الله عليه وسلم بعد ولادته بأربعين سنة، أخرج الله عز وجل به من شاء من الظلمات إلى النور، من الشرك إلى التوحيد، أحيا الله به قلوباً غلفاً، وأسمع الله به آذاناً صماً، وبصر الله به أعيناً عمياً. 
قال الله عز وجل في شأنه: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِۦ وَسِرَاجًۭا مُّنِيرًۭا ۝٤٦﴾ [سورة الأحزاب] 
يدعو إلى الله، إلى توحيده، 
"قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"، هذا مبدأ، أمره، ثم دعا إلى بقية الأركان، وإلى طاعة الملك العلام. أوذي وهجر وتربص بأصحابه حتى فروا بدينهم إلى المدينة بعد فرار بعضهم إلى أرض الحبشة مرتين، فأقام الله عز وجل الملة، وأظهر الله عز وجل الإسلام: ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۭا ۝٢٨﴾ [سورة الفتح]
أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم بالعلم النافع والعمل الصالح ليظهر هذا الدين ويعلو هذا الدين ولو كره المشركون ولو كره الكافرون.

عباد الله، إن الله عز وجل حين علم أن النصارى يدعون محبته، وأن اليهود يدعون محبته، بل والمشركون يدعون محبته، أنزل الله عز وجل آية محكمة فيها بيان لمحبي الله عز وجل حقاً، ولمحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقاً، وهي المحنة والعلامة على المحب حقيقة وعلى المحب على غير ذلك. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ۝٣١﴾ سورة آل عمران] 
هذه هي المقياس لمن يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً وصدقاً ويحب الله عز وجل قبل ذلك، 
أن يكون متابعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، 
الذي قال الله في شأنه: ﴿ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ﴾ وقال الله عز وجل في وصف المؤمنين: ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ﴾ 
فأخص سمات أهل السنة والجماعة، من يحب الله عز وجل ويحب رسوله صلى الله عليه وسلم ويحب الصحابة والصالحين، أن يكون متابعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ابتداءً من التوحيد وصلاح العقيدة والصلاة وبقية الأركان، فكلما كان المرء أتبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم كلما كان أقرب عند الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم:«كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى»
والحمد لله، 

الخطبة الثانية: 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وصفيه ومجتباه، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ومن اهتدى بهداه.

عباد الله، إن الله عز وجل بعث محمداً شاهداً ومبشراً ونذيراً، شاهداً على أمته وعلى الأمم يوم القيامة، ومبشراً بما لهم من الفضل والمثوبة إن أطاعوا الله عز وجل، ونذيراً للمشركين والمخالفين والمنددين. 
وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك حتى أقام الله به الملة المتعوجة، 
إلا أن الناس في رسول الله صلى الله عليه وسلم على طرائق، منهم المكذب ظاهراً وباطناً كاليهود والنصارى والمجوس ومن إليهم من المشركين والمنددين، 
ومنهم المصدق ظاهراً وباطناً وهم أهل الإسلام، أهل الاتباع، أهل المحبة صدقاً وعدلاً، ومنهم المصدق ظاهراً المخالف باطناً وهم من غلا فيه واعتقد فيه ما ليس له، فادعوا فيه علم الغيب وعظموه مع الله أو من دون الله ودعوه ورجوه.

وكان مما أحدث في ذلك لهو ما يسمى بعيد المولد النبوي، هذا العيد المحدث الذي أحدثه العبيديون الرافضة الباطنية في سنة ثلاثمائة 
واثنين وستين، أي في أواخر القرن الرابع في القاهرة، أمر به المعز لدين الله -لا أعزه الله- وجمع إليه أعياد ميلاد علي والحسين والحسن وفاطمة وميلاد نفسه. ثم ظهر هذا العيد ظهوراً كبيراً وجمع له الناس في القرن السابع سنة ستمائة وأربعة، في بداية القرن السابع، على يد الملك المظفر أبو سعيد كوكبري صاحب إربل، جمع له الناس وأعطى الفقراء وأطعم وذبح، فعيد لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال دعوته ثلاث وعشرين سنة، ولم يفعله الخلفاء الراشدون في حال دولتهم قريب من ثلاثين سنة، ولم يفعله الأمويون ومن إليهم من العلماء الربانيين قريب من مئة سنة، ولم يفعله العباسيون فوق المئة سنة، ثم أحدثه الرافضة ومن إليهم، وأصبح كثير من يتخذونه عيداً وموسماً، فيقع فيه من الشركيات ومن البدع والخرافات ما الله به عليم، يخالف قول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ۝٣١﴾ [سورة آل عمران]
والحمد لله رب العالمين.