السبت ٢٣ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ

خطبة جمعة مفرغة بعنوان: *«الجريمة أسبابها وموقف دين الإسلام منها»*        (الجزء الثاني)

خطبـة جمعـة مفرغـةبعنوان:
*«الجريمة أسبابها وموقف دين الإسلام منها»* 
      (الجزء الثاني)

 *لفضيلة الشيخ* 
*أبي محمد عبدالحميد بن يحيى الزُّعكري الحجوري حفظه الله تعالى ورعاه* 

نسأل الله أن ينفع بها 
...........................
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً. 

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ۝١٠٢﴾ [سورة آل عمران]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا ۝١﴾[سورة النساء]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًۭا ۝٧٠يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ۝٧١﴾ [سورة الأحزاب] 

أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَـَٔاتٍۢ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾

قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ﴾ فهذه هي طبيعة هذه الأرض التي نعيش عليها؛ الجريمة منتشرة في مدنها وقراها وفي جميع ربوعها، ولا يسلم من ذلك إلا من سلمه الله سبحانه وتعالى، وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً لنفسه ولغيره، جهولاً بأحكام الله عز وجل وشرعه وما ينتفع به.

عباد الله، إن الجريمة مرض عضال وداء فتاك يعصف بالأمة، ولذلك ينبغي العناية بحربها والسلامة منها، ويعود الشأن فيها إلى الشخص نفسه، فلاتقاء الجريمة أن تقع عليه ينبغي أن يلتزم الأسباب القدرية والشرعية في ذلك، قال الله عز وجل: ﴿وَخُذُوا۟ حِذْرَكُمْ﴾ فالحذر مطلوب؛ لا تمشِ وحدك وأنت تستطيع أن تمشي مع غيرك، لا تمشِ في طريق مقفر وأنت تستطيع أن تمشي في طريق فيه الحياة، لا تحمل معك من لا تعرفه أو من تتخوف منه، وهكذا الأطفال ينبغي أن يعلموا ويعودوا ألا يكون شأنهم مع كل أحد. لا بد من أخذ الحيطة والحذر، النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر الرجل وحده، وذلك خوفاً من حصول الجريمة عليه من قطاع الطرق ومن السراق ومن المجرمين، وربما لحقه ما لحقه لغير ذلك.

ابدأ بنفسك واحرص عليها ألا يقع عليها الإجرام، خذ حيطتك، خذ حذرك، ادعُ الله بالسلامة، أدِّ أذكار الصباح والمساء التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أداها سلم؛«بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء»، إذا نزلت منزلاً «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق». احرص على الرفيق الذي تستعين به بعد عون الله في سفرك، في حضرك، في جميع شأنك، وهكذا تتخذ الحراسة لمن كان له شأن وأرادها، النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل المدينة قال:«ليت رجلاً صالحاً يحرسني الليلة»، وذلك لدفع جريمة اليهود والمنافقين في الترصد والتربص برسول الله صلى الله عليه وسلم. 
وهكذا تتقى الجريمة بإغلاق الأبواب؛ أغلق الباب واذكر اسم الله، تتقى الجريمة بعمل الأسباب الشرعية والقدرية الكثيرة التي جعلها الله عز وجل للسلامة.

نعم عباد الله، وتتقى الجريمة بتقوى الله من الجميع، فإن من اتقى الله وراقب الله لم يحصل منه الإجرام ولم يحصل منه مخالفة هدي النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما انتشرت الجريمة حين ضعف الإيمان في قلوب الناس، فأزهقوا الأنفس البريئة، وأخذوا الأموال المعصومة، وانتهكوا الأعراض إلى غير ذلك. وتتقى الجريمة بالتحذير منها وإشاعة ذلك على المنابر وفي الكتابات وفي الصحف وفي جميع وسائل الإعلام.

وتتقى الجريمة بقيام رجال الأمن بما يتعين عليهم، وكل واحد منا يعتبر رجل أمن، كل واحد إذا رأيت من تشكك فيه فعليك بالمسارعة إلى السؤال عنه، فإن كان من أهل الريب بلغت الدولة وعليها أن تقوم بشأنها، إذا رأيت من تتشكك فيه لا تحمله معك، لا تدافع عنه، لا تقم معه، لا تتعصب له. وهكذا لا بد من قيام رجال الأمن بما يتعين عليهم، وقيام الناس بما يكون من أسباب السلامة من الجريمة. 

تدفع الجريمة بالعودة إلى منهج السلف الكرام والأئمة الأعلام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه:«والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه»، متى حصل هذا؟ 
حين دخل الناس في دين الله أفواجاً، وحين تمسكوا بمنهج السلف، وحين كانوا على هدي النبي صلى الله عليه وسلم. أما البدع فلا يأتي من ورائها إلا التكفير والتفجير والتثوير، وتشاع الجرائم بسبب فشو البدع، وما نعانيه في الأمة اليمنية من الفتنة الحوثية إلا من هذا الباب، حين فسدت عقائدهم وحين بعدوا عن منهج السلف زاد شرهم وحصل الضر منهم.

فإذا أراد المجتمع أن يعود إلى الأمن والأمان والسلامة والإحسان، فعليه بالأخذ بمنهج السلف في نفسه وفي غيره، وعلى الحكومة أن ترعى هذا المنهج القويم والصراط المستقيم، فتقيم الحدود على قطاع الطرق وعلى منتهكي الأعراض وعلى آخذي الأموال، ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَـٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝٣٣﴾ [سورة المائدة]

نعم عباد الله، إن الإسلام قد عنى بحرب الجريمة، ولذلك حرم ما حرم وشرع ما شرع للحفاظ على النفس والمال والعرض، والله المستعان.

الخطبة الثانية:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وصفيه ومجتباه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.

الجريمة تحتاج في حربها إلى وجود السلطان القائم بما أمر الله وشرع، ولذلك كان من أولويات الشريعة الإسلامية العناية بباب الإمامة والرئاسة، وحين قُبض النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قام به الصحابة رضوان الله عليهم قبل دفنه أن بويع لأبي بكر رضي الله عنه بالخلافة، واجتمع الناس عليه، وحصلت الردة العظيمة، فحين وُجد الإمام القائم بأمر الله وشرعه ما كان منه إلا أن أطرهم وأدبهم وردهم إلى دين الله عز وجل، قال: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال".

نعم عباد الله، ولحرب الجريمة ينبغي أن نتعاون معه، فلا نقوم عليه بتثوير ولا تفجير ولا تكفير ولا تحريض ولا غير ذلك مما يجرئ الهمج الرعاع على مخالفة الشريعة. 
الله الله عباد الله في حرب هذه البلية والفتنة التي نزلت بالعباد، فإنها خطر على أنفسنا وعلى أبنائنا وعلى زوجاتنا وعلى مجتمعاتنا وعلى أموالنا وعلى ديننا، وهي من أسباب فساد الدنيا والآخرة حين تستشري ولم يقع الحرب لها والقيام عليها، قال النبي صلى الله عليه وسلم:«من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». 
والحمد لله رب العالمين.